نخبة من الأكاديميين

860

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

إن النهائية عند المتكلمين تفسر إذن ذَّريتهم ، حيث يصبح كامل العالم مجالًا للتدامج وللانفصال الدائمين لعدد يكبر أو يصغر من الأجسام المركبة من الذرات والتي تبقى متناهية على الدوام . والله يعرف كل هذه الذرات ويتصرف بها عبر إخضاعها لأعراض ( accidents ) مختلفة ( منها عرض التوليف الذي يتم بين ذرتين ) . بهذا نشهد ولادة مقولات جديدة مختلفة عن مقولات أرسطو . فقد تحول الجوهر منتقلًا من كلية الأجسام ، وقبل كل شيء ، من كلية الأجسام الحية ، إلى الذرة ، ليدخل في تركيب أي جسم ، سواء كان حياً أم جامداً . وفي الوقت عينه ، يختصر الكم ليصبح كماً منفصلًا ( discrete ) ، في حين يستعيد الكيف كل الأعراض التي يجعلها الله حالّة في الجواهر الذرية ، ومنها جوهر " الحياة " وكذلك الألوان والروائح والطعوم وما إلى ذلك . وتصبح النسبة ( ( relation عرضاً تتقاسمه ذرتان . أما المكان فيصبح منفصلًا ويتوقف عن أن يكون الحد الخارجي للجسم ليتحول إلى الناحية التي تستعيدها الذرة . كما أن الزمان يفهم أيضاً على أنه منفصل . غيرأن مشكلة كبرى تطرح نفسها بخصوص الحركة والتمييز بين الجوهر وحيز الجوهر . فلو أن العالم كان ساكناً ، لكان بإمكان الأونطولوجيا الجسيمية التي رسمنا معالمها آنفاً أن تكون كافية ، ولكان بإمكان الفضاء المتناهي للعالم أن يكون ممتلئاً بجسيمات متناهية في الصغر وكافية من حيث الكم . كما كان من الممكن أن نلقي رداء من الاحتشام على ما بداخل هذه الجسيمات من " حسك " لا يمكن اعتباره كلا شيء ، أو حتى ، وبكل بساطة ، على أبعاد هذه الجسيمات . لكن ملاحظة وجود الحركة يفجر المشكلة لأن فهمنا الطبيعي للحركة يتمثل بقولنا بأن المتحرك ( ذرة أو مجموعة ذرات ) يمر بشكل مستمر بجميع الوضعيات بين نقطة الانطلاق ونقطة الوصول . وعلى ذلك ، يصبح من التعسف القول ، إذا ما أقررنا بجسيمية الواقع الطبيعي ، أن الفضاء الذي يتحرك فيه هذا الواقع هو منفصل على ما يبدو . فالفضاء هندسي : بين كل نقطتين متمايزتين في الفضاء ، هنالك على الدوام نقطة ثالثة . بكلام آخر ، هنالك في ما لو فهمت الذرة كجسيم ، لا نهائية من النقاط الهندسية داخل الفضاء الذي تشغله ذرة واحدة . هذا الطلاق الحاصل بين الفضاء والجسم لم يسبق له أن ظهر بمثل الوضوح الذي ظهر فيه من خلال السجال الذي أطلقه النظّام في مواجهة الذرية " الكلاسيكية " الممثلة بأبي الهذيل . فالنظّام لم يكن لديه ما يمكن أن يعود إلى قوله بخصوص الطريقة التي كان الهذيل يفهم المتحرك من خلالها ، لكنه لم يكن مستعداً لقبول تصوره بخصوص الحركة . فالحركة لا يمكنها أن تكون منفصلة ، إذ ليس هنالك من معنى لأن تستحدث ، تعسفياً ، عتبة للجرم لا يمكن دونها أن يكون هنالك أي جرم . وحتى لو كان بمقدورنا أن نتخيل أن الواقع الجسماني لا يوجد دون جرم معين ، فإن الشأن ليس كذلك بخصوص الحركة . إذ يبدو أن المتحرك يمر بجميع النقاط الهندسية في مسار بين النقطتين " أ " و " ب " ، لكن هذه النقاط غير متناهية من حيث العدد . وبالنظر إلى أن النظام يرفض بالتأكيد التمييز الأرسطي بين اللامتناهي بالقوة واللامتناهي بالفعل ، فإنه يجد نفسه في مواجهة مع وضع محرج بشكل جذري . وقد تمثل الحل الشهير